إذا صلَح عقلُ الإنسان صلَح كلامه وصلحت أفعاله؛ فالعقل قائد وله سلطان وإمارة على اللسان والجوارح؛ تأتمر بأمرِه وتنصاع لمُراده؛ ولهذا كانت أول الخطابات الإلهية للمُكلَّفين هو خطاب التوحيد، اعتبارا بشأن إصلاح المُدركات العقلية النظرية التي يترتب عليها ما بعدها، وبهذا جاء الأمر النبوي في قوله: قل آمنت بالله، ثم استقِم؛ فإن الإيمان خطابُ للعقل والقلب، والاستقامة فعلُ الجوارح.
❤75👍5
إزاحة وهم وشرط مهم في الاحتجاج بخبر الآحاد:
قال القاضي الباقلاني:
" وما عُلم كونُه حقّا وصِدقا من الأخبار إما بالضرورة أو بدليل، فليس يُعدّ عند المتكلمين والفقهاء من أخبار الآحاد، وإن كان الواحد مُخبِرا به وراويًا له؛ ولذلك لم تُوصَف أخبار الأنبياء عليهم السلام عن الله تعالى وعن الوحي بأنها أخبار آحاد، لمَّا كانت معلومةً ومقطوعا بصحّتها.
وكذلك كل خبرٍ ثبَت صِحّته وصِدقُ المُخبِر به - إما بضرورةٍ أو بدليل - في وجوب نفي هذه التسمية عنه في حقّ أهل المُواضَعة دون مُوجب اللغة".
قال القاضي الباقلاني:
" وما عُلم كونُه حقّا وصِدقا من الأخبار إما بالضرورة أو بدليل، فليس يُعدّ عند المتكلمين والفقهاء من أخبار الآحاد، وإن كان الواحد مُخبِرا به وراويًا له؛ ولذلك لم تُوصَف أخبار الأنبياء عليهم السلام عن الله تعالى وعن الوحي بأنها أخبار آحاد، لمَّا كانت معلومةً ومقطوعا بصحّتها.
وكذلك كل خبرٍ ثبَت صِحّته وصِدقُ المُخبِر به - إما بضرورةٍ أو بدليل - في وجوب نفي هذه التسمية عنه في حقّ أهل المُواضَعة دون مُوجب اللغة".
❤🔥19🔥5😍4🕊2
لَمحة من الجمال النبوي:
والتلطُّف بالصبيان من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان صلى الله عليه وسلم يَقدُم من السفر فيتلقَّاه الصبيان، فيقف لهم، ثم يَرفعهم إليه، فيرفع منهم مِن بين يديه ومِن خَلفه، ويأمر أصحابه أن يَحملوا بعضهم، فرُبّما تفاخَر الصبيانُ بعد ذلك، فيقول بعضهم لبعض: حمَلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه وحمَلك أنت وراءه، ويقول بعضهم: أمَر أصحابَه أن يَحملوك وراءهم.
وكان يُؤتى بالصبيّ الصغير ليدعوَ له بالبركة ويُسمّيه، فيأخذه فيضعه في حِجره، فربّما بال الصبيُّ عليه، فيَصيح بالصبيّ بعضُ مَن يراه، فيقول:" لا تُزْرِموا- تَقطعوا - الصبيّ بَولَه" فيدعُه حتى يقضي بوله، ثم يفرُغ من دعائه له وتسميته، ويبلغ سرورَ أهله فيه، وأن لا يروا أنه تأذَّى ببولِه، فإذا انصرفوا غسَل ثوبَه بعده.
- إحياء علوم الدين للإمام الغزالي-
والتلطُّف بالصبيان من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان صلى الله عليه وسلم يَقدُم من السفر فيتلقَّاه الصبيان، فيقف لهم، ثم يَرفعهم إليه، فيرفع منهم مِن بين يديه ومِن خَلفه، ويأمر أصحابه أن يَحملوا بعضهم، فرُبّما تفاخَر الصبيانُ بعد ذلك، فيقول بعضهم لبعض: حمَلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه وحمَلك أنت وراءه، ويقول بعضهم: أمَر أصحابَه أن يَحملوك وراءهم.
وكان يُؤتى بالصبيّ الصغير ليدعوَ له بالبركة ويُسمّيه، فيأخذه فيضعه في حِجره، فربّما بال الصبيُّ عليه، فيَصيح بالصبيّ بعضُ مَن يراه، فيقول:" لا تُزْرِموا- تَقطعوا - الصبيّ بَولَه" فيدعُه حتى يقضي بوله، ثم يفرُغ من دعائه له وتسميته، ويبلغ سرورَ أهله فيه، وأن لا يروا أنه تأذَّى ببولِه، فإذا انصرفوا غسَل ثوبَه بعده.
- إحياء علوم الدين للإمام الغزالي-
❤115🔥3❤🔥2😁1
ليس كل من يَحكي الحكمة كان من أهلها، ويكفي الإنسانَ أن يُحاول وأن يُحب الخير ويريده ويرغب فيه، وأن تنطوي نفسه على أنه إذا لم يكن صالحا فلا ينبغي أن يكون من الفاسدين.
❤84👏4👍3
Forwarded from نفسانيات | د. كريم حلمي
أحببت أن أفتتح القناة ببداية سلسلة حلقات بعنوان #الأربعون_النفسية، والتي سنتناول فيها قضايا نفسية مختلفة انطلاقًا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والحلقة الأولى فيها توضيح أكثر حول السلسلة وفلسفتها ومنهاجها إن شاء الله تعالى
❤13🔥1
من جوامع الكَلِم النبوية قوله صلى الله عليه وسلم: "كُلوا واشربوا وتصدَّقوا والبَسُوا، ما لم يُخالطه إسرافٌ أو مَخْيَلة".
وأجملُ ما فيه الإشارةُ إلى خُلق الاعتدال الذي يكاد يكون معدوما في هذا الزمان في معظم ما ترى وتسمع من تصرفات الناس ومن طبائعهم وردود أفعالهم.
قال العلامة الفيلسوف الطبيب عبد اللطيف البغدادي ت629هـ رحمه الله :
هذا الحديث جامعٌ لفضائل تدبير الإنسان لنفسه، وفيه أيضا تدبير مصالح النفس والجسد والدنيا والآخرة؛ لأن الإسراف في كل شيء يضرُّ بالمَعيشة؛ إذ فيه الإتلاف، وكذلك يضر الإسراف بالنفس حيث كانت النفس تابعةً للجسد في كثير من الأحوال، ولها أمراض تخصُّها.
والمَخيلة هي الخُيَلاء، وهي تضرُّ بالنفس حيث تُكسِبها العُجب، وتضرّ بالآخرة حيث تُكسب الإثم، وتضر بالدنيا حيث تُكسب المَقت، فمَن برئ من الإسراف والخُيلاء في تصرفاته وتدبيره وسياسته فقد برئ من العيوب كلها أو جُلّها.
وأجملُ ما فيه الإشارةُ إلى خُلق الاعتدال الذي يكاد يكون معدوما في هذا الزمان في معظم ما ترى وتسمع من تصرفات الناس ومن طبائعهم وردود أفعالهم.
قال العلامة الفيلسوف الطبيب عبد اللطيف البغدادي ت629هـ رحمه الله :
هذا الحديث جامعٌ لفضائل تدبير الإنسان لنفسه، وفيه أيضا تدبير مصالح النفس والجسد والدنيا والآخرة؛ لأن الإسراف في كل شيء يضرُّ بالمَعيشة؛ إذ فيه الإتلاف، وكذلك يضر الإسراف بالنفس حيث كانت النفس تابعةً للجسد في كثير من الأحوال، ولها أمراض تخصُّها.
والمَخيلة هي الخُيَلاء، وهي تضرُّ بالنفس حيث تُكسِبها العُجب، وتضرّ بالآخرة حيث تُكسب الإثم، وتضر بالدنيا حيث تُكسب المَقت، فمَن برئ من الإسراف والخُيلاء في تصرفاته وتدبيره وسياسته فقد برئ من العيوب كلها أو جُلّها.
❤63🔥1👌1
عيشُ الفتى كلُّه وقتٌ يُسرُّ به
من الدُّنا، وجميعُ العيشِ مفقودُ.
- الشريف الرضي-
من الدُّنا، وجميعُ العيشِ مفقودُ.
- الشريف الرضي-
❤30🔥5👍2😢1
فائدة نحوية :
قد يقتضي اختلافُ الإعراب اختلافَ المعاني، كما تقول: ما أحسنَ زيدا، فهذا تعجُّب، ثم تقول: ما أحسنَ زيدٌ، فهذا نفي، ثم تقول: ما أحسنُ زيدٍ؟ فهذا استفهام عن أحسنِ شيء فيه مثلا، والمُميِّز بين هذه المعاني هو الإعراب.
وقد يختلفُ الإعراب ويكون المعنى واحدا، وتكون الثمرة مردودة إلى أمر صناعي لا معنوي، كما تقول: جاء زيد الحسنُ الوجهِ، والحسنُ الوجهُ، والحسنُ الوجهَ، بالحركات الثلاث في الوجه، والمعنى واحد.
فما يتوهّمه بعضُ الطلاب من وجوب اختلاف المعنى لاختلاف الوجوه الإعرابية غير لازم وإن كان هو الأكثر.
قد يقتضي اختلافُ الإعراب اختلافَ المعاني، كما تقول: ما أحسنَ زيدا، فهذا تعجُّب، ثم تقول: ما أحسنَ زيدٌ، فهذا نفي، ثم تقول: ما أحسنُ زيدٍ؟ فهذا استفهام عن أحسنِ شيء فيه مثلا، والمُميِّز بين هذه المعاني هو الإعراب.
وقد يختلفُ الإعراب ويكون المعنى واحدا، وتكون الثمرة مردودة إلى أمر صناعي لا معنوي، كما تقول: جاء زيد الحسنُ الوجهِ، والحسنُ الوجهُ، والحسنُ الوجهَ، بالحركات الثلاث في الوجه، والمعنى واحد.
فما يتوهّمه بعضُ الطلاب من وجوب اختلاف المعنى لاختلاف الوجوه الإعرابية غير لازم وإن كان هو الأكثر.
❤48👍7💯2🔥1
Forwarded from مصباح الأرواح (ابن الحرستاني)
لا بدّ أن يُعلَم أن الرازي، الذي دائمًا ما يُقال عنه إنه وصل إلى الغاية العُليا في علم الكلام، وأنه إمام المشكّكين، وأنه الأكثر إنصافًا، ظلّ يعتقد أن هذه المطالب — ومنها تنزيهُ الله عن التجسيم والمقدار والتحيز — من الأمور القطعية، ولم يتشكك فيها، كما دوّن ذلك في وصيّته، وتنزيه الله عن الجسمية من أقطع القضايا في البحث العقلي
❤40💯5❤🔥3🔥3
إنا لله وإنا إليه راجعون
توفي إلى رحمة الله ابن عمي الشقيق، بعد معاناة شديدة ومكابدة للأمراض المختلفة مما أقلُّها ينوء بحملِه الجبال، أسأل الله أن يجعل ما قاساه من هذه الأمراض في ميزان حسناته، وأن يَربط على قلب أمّه المريضة، وأن يُصبِّرنا على فراقه، وأن يُنزل السكينة والرضا والصبر على قلب زوجته وبناته، وأن يُنزله منزلا حسنا ويجعل هذه الليلة خير لياليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
توفي إلى رحمة الله ابن عمي الشقيق، بعد معاناة شديدة ومكابدة للأمراض المختلفة مما أقلُّها ينوء بحملِه الجبال، أسأل الله أن يجعل ما قاساه من هذه الأمراض في ميزان حسناته، وأن يَربط على قلب أمّه المريضة، وأن يُصبِّرنا على فراقه، وأن يُنزل السكينة والرضا والصبر على قلب زوجته وبناته، وأن يُنزله منزلا حسنا ويجعل هذه الليلة خير لياليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
😢147💔35❤14🙏13
كل الشكر لمَن واسانا في وفاة ابن عمّنا الحبيب، وجزى الله خيرا كلّ مَن اهتمّ لأمرنا برسالة أو اتصال أو تعليق أو دعوة له بالرحمة والمغفرة، ورحم الله موتانا وموتاكم وموتى المسلمين.
❤40🙏9
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
حديث ماتع للمرحوم الشيخ أبو العينين شعيشع عن إمام القراء فضيلة الشيخ الوليّ الصالح محمد رفعت، وتصريح الشيخ أبو العينين بأنه رمَّم بعض تسجيلات الشيخ رفعت بصوته في بداية حياته قبل أن يتخذ لنفسه نمطا صعبا للغاية في التلاوة لا يُبلَغ ولا يُستطاع.
❤17
شعورُ الإنسان بالسخط على مجتمعه، وإحساسُه الدائم بأن حقَّه مهضوم، وأنه مُهمَّش وأن أبناء الزمان لا يعرفون له قَدره، وأنه أَوْلى بالتقديم من غيره ممن هم أدنى رتبة منه – في اعتقاده – كثيرًا ما يُفضي به هذا الشعور المتراكم إلى اختلالٍ في توازنه النفسي، وغالبًا ما يتحوَّل هذا السخط المكبوت إلى نزعةٍ عدوانية، إمّا ظاهرة في التعامل المباشر مع الغير، أو مستترة في الأحكام والتصورات عن الأشياء والأشخاص، إلا أن يتدارك الله صاحبَه برحمته فيردّه إلى جادّة الاعتدال والتوسط.
ومن المؤسف أنه قلّما يخلو هذا الإحساس من آفة الحسد، إذ يتجاوز فيه الشعور بالمظلومية إلى تضخُّم الأنا، فينشأ عن ذلك مزيجٌ نفسيّ خطير؛ يرى فيه الإنسان نفسه مظلومًا على الدوام، ويرى غيره مُغتصِبًا لِما كان ينبغي أن يكون له، ومع استمرار هذا الشعور قد يتطوّر الأمر إلى حدّ أن يُعاد إنتاج الظلم ذاته، فيقع في حقّ غيره بما كان يشكو وقوعه عليه من التجنّي وهضم الحقوق، وكأن النفس المقهورة لا تجد سبيلًا للتنفيس إلا بتوريث القهر لغيرها، على نحو ما قال القائل:
والظُلم من شِيَم النفوس فإن تجدْ
ذا عِفّةٍ فلِعِلّةٍ لا يَظلمُ
وهذا النمط من السلوك لا يقتصر على البيئات الاجتماعية العامّة، بل يمتدّ – وبصورة أشدّ وأوضح – إلى البيئة العلمية والفكرية، فالواقع يشهد أن بعض الأحكام النقدية الصادرة في هذه الأوساط لم تكن ثمرة نظرٍ علميّ خالص، بقدر ما كانت انعكاسًا لخلفيات نفسية، اختلط فيها النقد بالغضب للنفس، والتقويم بالرغبة في الانتقام الرمزي من الزمان وأهله.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك موقف أبي حيّان التوحيدي من كثير من أعلام عصره؛ إذ لا يُخطئك في كتاباته الحطّ من أقدار بعض فضلاء عصره، وإزراؤه بهم وتشنيعه عليهم، ولا يمكن تفسير ذلك كلّه بتباين المناهج أو اختلاف المشارب الفكرية فحسب؛ بل إن سخطه على زمانه بلغ حدًّا انتهى به إلى إحراق كتبه، وكأنه أراد أن يُعاقب أهل العصر بحرمانه من أدبه، ثم تشبَّث بأن هذا الصنيع موقفٌ أخلاقيٌّ له سوابق عند المتقدمين، مع أن السياق النفسي العام لخطابه يشير إلى غير ذلك.
وكذلك الشأن في ابن الأثير صاحب المثل السائر؛ إذ إن شعوره بالمظلومية وعدم الاعتراف له بالفضل دفعه إلى اعتدادٍ مُفرطٍ بنفسه، اتخذه سبيلًا للتحدي وإثبات الذات. غير أن هذا الاعتداد تجاوز حدَّه المشروع، فانقلب إلى إسراف في تعظيم آرائه النظرية، أفضى به إلى النَّيل من غيره والتقليل من شأنهم، على نحوٍ أضرّ بموضوعية أحكامه، وأضرَّ أيضا بالسُّمعة العلمية للمثل السائر، مع أنه كتابٌ عظيم في بابه، وقد لاحظَ ذلك الإمام الطاهر ابن عاشور فقال فيه:" لو اقتَصَد ابنُ الأثير في كثيرٍ من نقدِه على علماء الأدب وأهله لكانَ كلمةَ إجماع؛ فإنَّ كثيرا من حِجَاجِه محلُّ نظر، على إعجابه بأنظاره".
وقد يستغرق بعضهم في هذه الحالة حتى ينسُب كسادَ حظّه في الدنيا إلى نفسِ العلم، كما قال أبو هلال العسكري :
ومن ذا الذي في الناس يُبصِرُ حالتي
ولا يَلعنُ القرطاسَ والحِبرَ والقَلَمْ ؟!
وقد كان يقول أيضا :
جُلوسِيَ في سوقٍ أَبيعُ وَأَشتَري
دَليلٌ عَلى أَنَّ الأَنامَ قُرودُ
وَلا خَيرَ في قَومٍ تُذَلُّ كِرامُهُم
وَيَعظُمُ فيهِم نَذلُهُمُ وَيَسودُ
وَيَهجوهُمُ عَنّي رَثاثَةُ كِسوَتي
هِجاءً قَبيحاً ما عَلَيهِ مَزيدُ.
وقد انتشر هذا التعليل بين الكثيرين من الفضلاء حتى صاروا بعد ذلك يُطلقون عليه مصطلح" حُرفة الأدب" أي الحرمان وسوء الحظّ الناشئ من الاشتغال بالعلوم والآداب، فصاروا يقولون: فلان أصابته حُرفة الأدب، أي ساء حظّه في الدنيا بسبب اشتغاله بالعلوم والآداب، بل أصبحوا يتعجَّبون من اجتماع العقل والحظّ، والعلم والثراء، على نحوِ ما قال أبو إسحاق الصابي وقد افتقَر بعد غِنى:
قد كنتُ أًعجَبُ من مالي وكثرتهِ
وكيف تغفُل عنه حُرفة الأدبِ
حتى انثنَت وهي كالغضَبى تُلاحظني
شزراً فلم تُبقِ لي شيئاً من النشَبِ
فاستيقنتْ أنّها كانت على غلطٍ
فاستدركتْه وأفضَت بي إلى الحرَبِ
الضبُّ والنونُ قد يُرجى التقاؤهما
وليس يُرجى التقاءُ اللُّبِّ والذهبِ
ولا شكّ أن هذا كله نوع من المغالطة؛ لأن كثيرا من العقلاء والأدباء وأهل العلم جُمع لهم بين الذكاء والتفوق في العلم وبين الثراء والسعة؛ وإذن، فهذه المِحن التي جرت لهؤلاء لا تستلزم أن تكون بسبب عقولهم وعلومهم، ولهذا أحسَن الشاعر طاهر أبو فاشا فألف كتابا جميلا سمّاه" الذين أدركتهم حُرفة الأب" ابتدأه بعبارة مُهِمّة وهي قوله:
" أردتُ أن أؤكد في هذه الفصول أن الأدب - من حيث هو أدب - لا يمكن أن يكون لعنةً تنصبُّ على رؤوس الأدباء، وأن الذين حُورفوا من الأدباء تجد لحرافهم أسبابا مختلفة ليس الأدب واحدا منها".
ومن المؤسف أنه قلّما يخلو هذا الإحساس من آفة الحسد، إذ يتجاوز فيه الشعور بالمظلومية إلى تضخُّم الأنا، فينشأ عن ذلك مزيجٌ نفسيّ خطير؛ يرى فيه الإنسان نفسه مظلومًا على الدوام، ويرى غيره مُغتصِبًا لِما كان ينبغي أن يكون له، ومع استمرار هذا الشعور قد يتطوّر الأمر إلى حدّ أن يُعاد إنتاج الظلم ذاته، فيقع في حقّ غيره بما كان يشكو وقوعه عليه من التجنّي وهضم الحقوق، وكأن النفس المقهورة لا تجد سبيلًا للتنفيس إلا بتوريث القهر لغيرها، على نحو ما قال القائل:
والظُلم من شِيَم النفوس فإن تجدْ
ذا عِفّةٍ فلِعِلّةٍ لا يَظلمُ
وهذا النمط من السلوك لا يقتصر على البيئات الاجتماعية العامّة، بل يمتدّ – وبصورة أشدّ وأوضح – إلى البيئة العلمية والفكرية، فالواقع يشهد أن بعض الأحكام النقدية الصادرة في هذه الأوساط لم تكن ثمرة نظرٍ علميّ خالص، بقدر ما كانت انعكاسًا لخلفيات نفسية، اختلط فيها النقد بالغضب للنفس، والتقويم بالرغبة في الانتقام الرمزي من الزمان وأهله.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك موقف أبي حيّان التوحيدي من كثير من أعلام عصره؛ إذ لا يُخطئك في كتاباته الحطّ من أقدار بعض فضلاء عصره، وإزراؤه بهم وتشنيعه عليهم، ولا يمكن تفسير ذلك كلّه بتباين المناهج أو اختلاف المشارب الفكرية فحسب؛ بل إن سخطه على زمانه بلغ حدًّا انتهى به إلى إحراق كتبه، وكأنه أراد أن يُعاقب أهل العصر بحرمانه من أدبه، ثم تشبَّث بأن هذا الصنيع موقفٌ أخلاقيٌّ له سوابق عند المتقدمين، مع أن السياق النفسي العام لخطابه يشير إلى غير ذلك.
وكذلك الشأن في ابن الأثير صاحب المثل السائر؛ إذ إن شعوره بالمظلومية وعدم الاعتراف له بالفضل دفعه إلى اعتدادٍ مُفرطٍ بنفسه، اتخذه سبيلًا للتحدي وإثبات الذات. غير أن هذا الاعتداد تجاوز حدَّه المشروع، فانقلب إلى إسراف في تعظيم آرائه النظرية، أفضى به إلى النَّيل من غيره والتقليل من شأنهم، على نحوٍ أضرّ بموضوعية أحكامه، وأضرَّ أيضا بالسُّمعة العلمية للمثل السائر، مع أنه كتابٌ عظيم في بابه، وقد لاحظَ ذلك الإمام الطاهر ابن عاشور فقال فيه:" لو اقتَصَد ابنُ الأثير في كثيرٍ من نقدِه على علماء الأدب وأهله لكانَ كلمةَ إجماع؛ فإنَّ كثيرا من حِجَاجِه محلُّ نظر، على إعجابه بأنظاره".
وقد يستغرق بعضهم في هذه الحالة حتى ينسُب كسادَ حظّه في الدنيا إلى نفسِ العلم، كما قال أبو هلال العسكري :
ومن ذا الذي في الناس يُبصِرُ حالتي
ولا يَلعنُ القرطاسَ والحِبرَ والقَلَمْ ؟!
وقد كان يقول أيضا :
جُلوسِيَ في سوقٍ أَبيعُ وَأَشتَري
دَليلٌ عَلى أَنَّ الأَنامَ قُرودُ
وَلا خَيرَ في قَومٍ تُذَلُّ كِرامُهُم
وَيَعظُمُ فيهِم نَذلُهُمُ وَيَسودُ
وَيَهجوهُمُ عَنّي رَثاثَةُ كِسوَتي
هِجاءً قَبيحاً ما عَلَيهِ مَزيدُ.
وقد انتشر هذا التعليل بين الكثيرين من الفضلاء حتى صاروا بعد ذلك يُطلقون عليه مصطلح" حُرفة الأدب" أي الحرمان وسوء الحظّ الناشئ من الاشتغال بالعلوم والآداب، فصاروا يقولون: فلان أصابته حُرفة الأدب، أي ساء حظّه في الدنيا بسبب اشتغاله بالعلوم والآداب، بل أصبحوا يتعجَّبون من اجتماع العقل والحظّ، والعلم والثراء، على نحوِ ما قال أبو إسحاق الصابي وقد افتقَر بعد غِنى:
قد كنتُ أًعجَبُ من مالي وكثرتهِ
وكيف تغفُل عنه حُرفة الأدبِ
حتى انثنَت وهي كالغضَبى تُلاحظني
شزراً فلم تُبقِ لي شيئاً من النشَبِ
فاستيقنتْ أنّها كانت على غلطٍ
فاستدركتْه وأفضَت بي إلى الحرَبِ
الضبُّ والنونُ قد يُرجى التقاؤهما
وليس يُرجى التقاءُ اللُّبِّ والذهبِ
ولا شكّ أن هذا كله نوع من المغالطة؛ لأن كثيرا من العقلاء والأدباء وأهل العلم جُمع لهم بين الذكاء والتفوق في العلم وبين الثراء والسعة؛ وإذن، فهذه المِحن التي جرت لهؤلاء لا تستلزم أن تكون بسبب عقولهم وعلومهم، ولهذا أحسَن الشاعر طاهر أبو فاشا فألف كتابا جميلا سمّاه" الذين أدركتهم حُرفة الأب" ابتدأه بعبارة مُهِمّة وهي قوله:
" أردتُ أن أؤكد في هذه الفصول أن الأدب - من حيث هو أدب - لا يمكن أن يكون لعنةً تنصبُّ على رؤوس الأدباء، وأن الذين حُورفوا من الأدباء تجد لحرافهم أسبابا مختلفة ليس الأدب واحدا منها".
❤25👏4🔥1
وفي معرِض ردّ ابن أبي الحديد على ابن الأثير يذكر من أسباب تأليفِه" الفلك الدائر على المثل السائر": أن ابن الأثير قد أومأ مِرارًا إلى عِتاب دهره؛ إذ لم يُعطه على قدر استحقاقه؛ فأردنا أن نُعرّفه أن الأرزاق ليست على مقادير الاستحقاق، وأن الرزق مقسومٌ، لا يَجلبه الفضل، ولا يردُّه النقص".
وهي عبارة مُلهَمة ودستور إيماني عظيم يسُدّ كثيرا من الخَلل الواقع في هذا الباب.
وهي عبارة مُلهَمة ودستور إيماني عظيم يسُدّ كثيرا من الخَلل الواقع في هذا الباب.
❤35😢3👏2
قال ناظر الجيش في معرِض ردِّه على شيخه أبي حيّان الأندلسي حيث كان كثيرا ما يرمي ابنَ مالك بقلةِ أخذِه عن الشيوخ:
" وأما قوله: إنه لم يُعلم له شيخ، فما أعرِف كيف ذلك نقصًا في رجل انتشر علمه وانتهى إلى رُتبةٍ بلغ بها أن يُصحِّح ما أبطله غيره ويُبطل ما صحَّحه غيره بالأدلة الواضحة والمستندات الراجحة؟! وكم من طالبٍ فاق شيخه، وخادمٍ برّز على أستاذه، وانظر إلى العلماء الكبار المشهورين من أهل الفنون الذين اعترف الناس لهم بأنهم ارتقَوا في فنونهم إلى المراتب السَّنية التي لا تُلحق، هل كانوا متقدمين في الذِكر على من اشتغلوا عليه وأخذوا عنه أو لا؟
والطالب لا بد له من شيخٍ مُوفق ( كذا في المطبوع، وأحسب أنها مُوقِف)، ولكن إنما يحتاج إليه في حل الكتاب الذي يقرأه عليه وتبيين المقصود من كل باب من ذلك الكتاب، وتقرير مسائله تصورا وتصديقا بحيث تصير له أهليةٌ لفهم ما يُطالعه من كتب ذلك الفن، والتمييز بين الصحيح والفاسد من مسائله، فإذا أعطاه الله تعالى مع ذلك صحةَ فكرٍ وقوةَ إدراك واستمر عاكفا مُحصِّلا لِما هو بصدده فقد يصل إلى أضعاف ما وصل إليه شيخه.
وقد قال المصنف : «وإذا كانت العلوم مِنحا إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مُستبعَد أن يُدَّخر لبعض المتأخرين ما عسُر على كثير من المتقدمين»، ولكن الشيخ - أي أبا حيان - رحمه الله تعالى - كان في خاطره أن النحو الذي وصل إليه المتأخرون من المغاربة كالأستاذ أبي علي الشلوبين وأتباعه - رحمهم الله تعالى - لم يصل إليه غيرهم، فما رأى كُتب المصنف وما أبرزه من النوادر والغرائب والعجائب، ولم يبعُد أن حصَل في النفس حسدٌ ما، وكأن المصنف استشعر وقوع ذلك فلهذا قال بعد كلامه الذي تقدم:
«أعاذنا الله من حسدٍ يسُدّ باب الإنصاف، ويصدّ عن جميل الأوصاف»اه.
فتأمَّلْ هذا الكلام مَلِيًّا تُدرِك ما في كلام بعض المعاصرين في هذه الأبواب من الدروشة والاعتساف.
" وأما قوله: إنه لم يُعلم له شيخ، فما أعرِف كيف ذلك نقصًا في رجل انتشر علمه وانتهى إلى رُتبةٍ بلغ بها أن يُصحِّح ما أبطله غيره ويُبطل ما صحَّحه غيره بالأدلة الواضحة والمستندات الراجحة؟! وكم من طالبٍ فاق شيخه، وخادمٍ برّز على أستاذه، وانظر إلى العلماء الكبار المشهورين من أهل الفنون الذين اعترف الناس لهم بأنهم ارتقَوا في فنونهم إلى المراتب السَّنية التي لا تُلحق، هل كانوا متقدمين في الذِكر على من اشتغلوا عليه وأخذوا عنه أو لا؟
والطالب لا بد له من شيخٍ مُوفق ( كذا في المطبوع، وأحسب أنها مُوقِف)، ولكن إنما يحتاج إليه في حل الكتاب الذي يقرأه عليه وتبيين المقصود من كل باب من ذلك الكتاب، وتقرير مسائله تصورا وتصديقا بحيث تصير له أهليةٌ لفهم ما يُطالعه من كتب ذلك الفن، والتمييز بين الصحيح والفاسد من مسائله، فإذا أعطاه الله تعالى مع ذلك صحةَ فكرٍ وقوةَ إدراك واستمر عاكفا مُحصِّلا لِما هو بصدده فقد يصل إلى أضعاف ما وصل إليه شيخه.
وقد قال المصنف : «وإذا كانت العلوم مِنحا إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مُستبعَد أن يُدَّخر لبعض المتأخرين ما عسُر على كثير من المتقدمين»، ولكن الشيخ - أي أبا حيان - رحمه الله تعالى - كان في خاطره أن النحو الذي وصل إليه المتأخرون من المغاربة كالأستاذ أبي علي الشلوبين وأتباعه - رحمهم الله تعالى - لم يصل إليه غيرهم، فما رأى كُتب المصنف وما أبرزه من النوادر والغرائب والعجائب، ولم يبعُد أن حصَل في النفس حسدٌ ما، وكأن المصنف استشعر وقوع ذلك فلهذا قال بعد كلامه الذي تقدم:
«أعاذنا الله من حسدٍ يسُدّ باب الإنصاف، ويصدّ عن جميل الأوصاف»اه.
فتأمَّلْ هذا الكلام مَلِيًّا تُدرِك ما في كلام بعض المعاصرين في هذه الأبواب من الدروشة والاعتساف.
❤21🔥3🤔1
من أسباب التكرار في القرآن الكريم:
قد بيَّنتُ أنَّ القرآن ليس مِثل تأليفٍ في عِلمٍ يُحال فيه على ما تقدَّم، بل هو جامعُ مواعظ وتذكيرات وقوارع ومُجادلات، نزلَت في أوقات كثيرة وأحوال مختلفة، فلذلك تتكرَّر فيه الأغراض لاقتضاء المقام ذِكرها حينئذ عند سبب نزول تلك الآيات.
- الطاهر ابن عاشور-
قد بيَّنتُ أنَّ القرآن ليس مِثل تأليفٍ في عِلمٍ يُحال فيه على ما تقدَّم، بل هو جامعُ مواعظ وتذكيرات وقوارع ومُجادلات، نزلَت في أوقات كثيرة وأحوال مختلفة، فلذلك تتكرَّر فيه الأغراض لاقتضاء المقام ذِكرها حينئذ عند سبب نزول تلك الآيات.
- الطاهر ابن عاشور-
❤44